الـجــامعــــة الــوطنيـــــة الـخــاصـــــة

الواحة الأكاديمية للجامعة الوطنية الخاصة

هجرة الذهب الكبرى: الدوافع والتداعيات على النظام المالي العالمي والاقتصاد الأمريكي

د. ابراهيم نافع قوشجي

كلية العلوم الإدارية و المالية - الجامعة الوطنية الخاصة -

مقدمة:

شهد النصف الثاني من عقد العشرينيات تحولاً استراتيجياً لافتاً في إدارة الاحتياطيات السيادية، تمثل في قيام عدد متزايد من الدول، لا سيما تركيا وفرنسا والهند، إضافة إلى ضغوط مماثلة في ألمانيا وإيطاليا، بعمليات واسعة النطاق لسحب احتياطياتها من الذهب من مراكز التخزين المالية التقليدية، وعلى رأسها بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وبنك إنجلترا، وإعادتها إلى خزائنها الوطنية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الدوافع الاقتصادية والجيوسياسية الكامنة وراء هذه “الهجرة الكبرى”، وتقييم تداعياتها الملموسة على هيكل النظام المالي العالمي والاقتصاد الأمريكي بشكل خاص. تجادل الورقة بأن هذه الموجة من عمليات إعادة الذهب إلى الأوطان ليست مجرد إجراءات لوجستية معزولة، بل تمثل مؤشراً على تصدع هيكلي في الثقة بالنظام المالي القائم على هيمنة الدولار، وتسارعاً في وتيرة تنويع الاحتياطيات بعيداً عن سندات الخزانة الأمريكية، مما يحمل تداعيات عميقة وطويلة الأمد على مكانة الولايات المتحدة كمركز مالي عالمي.

  1. إعادة رسم خريطة القوة المالية:

لطالما اعتُبر الذهب حجر الزاوية في النظام النقدي العالمي وملاذاً آمناً في أوقات الأزمات. ومع ذلك، فإن النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شهد تحولاً نوعياً في كيفية إدارة الدول لاحتياطياتها من هذا المعدن النفيس. لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد تكديسه كأصل احتياطي، بل تحول التركيز إلى مكان وجوده الفعلي. فمن تركيا التي قادت موجة مبكرة، مروراً بالهند، وصولاً إلى فرنسا التي استكملت مؤخراً سحب كامل ذهبها من نيويورك، تتصاعد وتيرة قيام الدول الكبرى بـ “إعادة الذهب إلى الوطن”. هذا التحرك، الذي اكتسب زخماً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام المالي العالمي وأسسه التي قام عليها لعقود. تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك هذه الظاهرة، بدءاً بتحليل دوافعها الاستراتيجية، مروراً بدراسة الحالات الوطنية البارزة، وصولاً إلى تقييم تأثيرها التراكمي على مكانة الدولار والاقتصاد الأمريكي.

  1. منهجية الدراسة ونطاقها:

يعتمد هذا المقال على منهجية تحليلية وصفية تستند إلى دراسة حالات مقارنة لخمس دول رئيسية (تركيا، فرنسا، الهند، ألمانيا، إيطاليا) التي قادت أو تقود عمليات إعادة الذهب. تم جمع البيانات من مصادر أولية وثانوية متعددة تشمل: البيانات الرسمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي (IMF) ومجلس الذهب العالمي (WGC) والبنوك المركزية المعنية، بالإضافة إلى تقارير وكالات الأنباء والمؤسسات المالية الدولية الموثوقة مثل رويترز وبلومبرغ ومورغان ستانلي. يغطي الإطار الزمني للدراسة الفترة من عام 2017 وحتى أبريل 2026.

  1. الدوافع الهيكلية لـ “هجرة الذهب الكبرى”:

يمكن تلخيص الدوافع الكامنة وراء هذه الموجة العالمية من سحب الذهب في ثلاثة محاور رئيسية مترابطة، تشكل معاً حافزاً قوياً لإعادة تقييم استراتيجيات إدارة الاحتياطيات.

3.1. انهيار الثقة في النظام المالي القائم على الدولار: كان الحدث المفصلي والأكثر تأثيراً هو قرار مجموعة الدول السبع الكبرى والاتحاد الأوروبي في عام 2022 بتجميد نحو 300 مليار دولار من الاحتياطيات السيادية الروسية. لم يكن هذا الإجراء مجرد عقوبة اقتصادية، بل كان بمثابة صدمة وجودية للنظام المالي العالمي. لقد أثبت بشكل قاطع أن الأصول المالية، حتى تلك التي تعتبر احتياطيات سيادية لبنوك مركزية، يمكن أن تصبح عرضة للتجميد والمصادرة في حال نشوب صراع جيوسياسي مع الدول الغربية التي تتحكم بالبنية التحتية للنظام المالي العالمي. هذا الإجراء قوض بشكل جوهري مفهوم “الأمان المالي” وأرسل رسالة واضحة إلى جميع البنوك المركزية: “إذا كانت احتياطياتكم في سنداتنا، فيمكننا مصادرتها. أما الذهب، فلا يمكن تجميده بقرار تنفيذي”. وقد أظهر استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي في عام 2025 أن ما يقرب من 30% من البنوك المركزية تستشهد الآن بالمخاطر الجيوسياسية كدافع رئيسي لزيادة حيازاتها من الذهب، وهو ارتفاع كبير مقارنة بالسنوات السابقة.

3.2. تآكل حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية والتحول نحو الذهب: بالتزامن مع أزمة الثقة، تشهد حصة الدولار الأمريكي في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية تراجعاً هيكلياً ومستمراً. وفقاً لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) حول تكوين احتياطيات النقد الأجنبي (COFER)، انخفضت حصة الدولار إلى 56.92% في الربع الثالث من عام 2025. هذا الانخفاض ليس حدثاً معزولاً، بل هو استمرار لاتجاه طويل الأجل، حيث تراجعت حصة الدولار من قرابة 71% في عام 2001 إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1994. والأمر اللافت للنظر هو أن هذا التراجع في حصة الدولار لم يُقابله صعود كبير لعملة منافسة بعينها، كاليوان الصيني الذي ظل مستقراً عند حصة لا تتجاوز 2%. بل إن البديل الحقيقي للدولار كان ولا يزال هو الذهب، الذي ارتفعت حصته في محافظ البنوك المركزية من حوالي 14% في مطلع الألفية إلى نطاق 25-28% في عام 2025.

3.3. تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على سندات الخزانة الأمريكية: تعكس هذه التحولات استراتيجية واعية ومتعمدة من قبل البنوك المركزية لتنويع أصولها بعيداً عن سندات الخزانة الأمريكية. وقد تجسد هذا التوجه في نقطة تحول تاريخية غير مسبوقة منذ عام 1996، ففي عام 2025، تجاوزت قيمة الذهب الذي تحتفظ به البنوك المركزية حول العالم قيمة ما تحتفظ به من سندات خزانة أمريكية، للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. مدفوعاً بارتفاع قياسي في أسعار الذهب تجاوز 4,500 دولار للأونصة في 2025، بلغت قيمة حيازات البنوك المركزية من الذهب ما يقرب من 4 تريليونات دولار، متجاوزة بذلك حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية. وقد أكد استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي في عام 2025 هذا الاتجاه، حيث توقعت 73% من البنوك المركزية في الأسواق المتقدمة انخفاض حصة الدولار في احتياطياتها خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما توقعت 95% منها زيادة احتياطياتها من الذهب.

  1. مسارات متنوعة نحو استعادة السيادة على الذهب

تقدم تجارب الدول الخمس المختارة نماذج متنوعة تعكس أهدافاً وظروفاً وطنية مختلفة، لكنها جميعاً تلتقي في هدف استراتيجي واحد: استعادة السيطرة المباشرة على الأصول الاحتياطية.

4.1. تركيا: الريادة في تحصين الأصول (2017-2020): كانت تركيا في طليعة الدول التي تبنت هذه الاستراتيجية في وقت مبكر. فخلال الفترة ما بين 2017 و2020، قادت أنقرة عملية واسعة لاستعادة ما يقارب 350 طناً من الذهب كان مخزناً في مراكز مالية رئيسية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسويسرا. لم يكن هذا التحرك منعزلاً عن سياقه، بل جاء في خضم أزمة حادة لليرة التركية عام 2018 وتوترات سياسية مع واشنطن. كانت الرسالة واضحة: تعزيز السيطرة الوطنية على الأصول الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على مراكز مالية أجنبية.

ومع ذلك، فإن الأزمة التي اندلعت مع الحرب في إيران في فبراير 2026 أظهرت الوجه الآخر للعملة: الاحتياطيات الاستراتيجية تُبنى تحديداً لاستخدامها وقت الشدة. تحت وطأة ارتفاع فاتورة الطاقة والضغوط على الليرة، اضطر البنك المركزي التركي إلى بيع ومبادلة نحو 60 طناً من الذهب بقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار خلال أسبوعين فقط في مارس 2026. أدى هذا إلى انخفاض احتياطيات البلاد من الذهب إلى 772 طناً، وهو أدنى مستوى لها في سبع سنوات. في دفاعه عن هذه الخطوة، وصف محافظ البنك المركزي فاتح قره خان استخدام المعاملات المدعومة بالذهب كـ “خيار طبيعي تماماً” خلال فترات الحاجة إلى دعم السيولة في سوق الصرف الأجنبي، مشيراً إلى أن البنك يتبع نهجاً “استباقياً ومرناً ومحكوماً” في إدارة احتياطياته. وهكذا، فإن تجربة تركيا تجسد دورة كاملة: من تحصين الذهب كدرع وقائي، إلى استخدامه كأداة دفاع تكتيكية في أوقات الأزمات الحادة.

4.2. الهند: إعادة الذهب من لندن (2024): في مايو 2024، قام بنك الاحتياطي الهندي (RBI) بنقل ما يزيد قليلاً عن 100 طن متري من الذهب من المملكة المتحدة إلى خزائنه المحلية، في واحدة من أكبر عمليات نقل الذهب التي قامت بها البلاد منذ عام 1991. بهذه الخطوة، ارتفع إجمالي حيازات الهند من الذهب إلى 822.1 طناً مترياً، منها 408.31 طن مخزنة محلياً. وبينما أشارت المصادر الرسمية إلى “أسباب لوجستية وتنويع التخزين” كمبرر للخطوة، إلا أن التوقيت كان ذا دلالة، حيث جاءت في سياق تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وتزايد المخاوف بشأن أمن الأصول في الخارج.

4.3. فرنسا: الصفقة المالية البارعة (2025-2026): في خطوة هادئة ولكنها بالغة الدلالة، أكمل بنك فرنسا بين يوليو 2025 ويناير 2026 سحب كامل احتياطياته من الذهب المخزنة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والتي بلغت 129 طناً. وبهذا، أصبحت احتياطيات فرنسا البالغة 2,437 طناً مخزنة بالكامل في خزائن “لا سوتيرين” تحت الأرض في باريس. ما ميز العملية الفرنسية هو إدارتها المالية البارعة: فبدلاً من تحمل تكاليف شحن الذهب عبر المحيط، قام البنك ببيع السبائك القديمة غير المطابقة للمعايير في نيويورك بأسعار قياسية بلغت 5,600 دولار للأوقية، وفي الوقت نفسه اشترى سبائك حديثة مطابقة لمعايير “جمعية سوق لندن” داخل أوروبا. حققت هذه العملية أرباحاً استثنائية بلغت 12.8 مليار يورو (حوالي 15 مليار دولار)، مما ساهم في تحويل ميزانية البنك المركزي الفرنسي من خسارة 7.7 مليارات يورو في 2024 إلى ربح صافٍ قدره 8.1 مليارات يورو.

4.4. ألمانيا وإيطاليا: ضغوط متصاعدة لاستعادة “الملاذ الأخير”: تحتل ألمانيا وإيطاليا المرتبتين الثانية والثالثة عالمياً في احتياطيات الذهب بعد الولايات المتحدة. وتواجه الدولتان ضغوطاً داخلية متزايدة لسحب احتياطياتهما المودعة في خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والتي تقدر قيمتها مجتمعة بنحو 245 مليار دولار. ففي ألمانيا، لا يزال البنك المركزي يحتفظ بنحو 1,236 طناً من الذهب في نيويورك، أي ما يمثل 37% من إجمالي احتياطياته. وقد تصاعدت الدعوات لاستعادة هذا الذهب، مدفوعة بـ “عدم القدرة على التنبؤ” بسياسات الرئيس دونالد ترامب، حيث صرح مايكل ييغر، رئيس جمعية دافعي الضرائب الأوروبية: “ترامب لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ويفعل كل شيء لتوليد الإيرادات. لهذا السبب لم يعد ذهبنا آمناً في خزائن الفيدرالي”. أما في إيطاليا، فيسعى البرلمان لإعلان أن 2,452 طناً من الذهب هي ملك للشعب وليست للبنك المركزي، مما يعكس تصاعد النزعة نحو السيادة المالية المباشرة.

 4.5 روسيا: استخدام تكتيكي للذهب تحت ضغط العقوبات (2026)

في تطور لافت يعكس طبيعة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها موسكو، قامت روسيا يوم أمس ببيع  300  أونصة من الذهب من احتياطياتها الرسمية، أي ما يعادل نحو9.3  كيلوغرامات فقط. ورغم ضآلة الكمية مقارنة بإجمالي احتياطي روسيا الذي يقدَّر بنحو 2,330  طناً ما يجعلها خامس أكبر حائز للذهب عالمياً—إلا أن هذه الخطوة تحمل دلالات اقتصادية وجيوسياسية مهمة.

جاء هذا البيع في سياق بيئة مالية معقدة تتسم بتراجع تدفقات العملات الصعبة، وتزايد الضغوط على ميزان المدفوعات، وارتفاع كلفة الإنفاق العسكري. وبخلاف عمليات السحب الضخمة التي قامت بها دول مثل تركيا أو فرنسا، فإن الخطوة الروسية تُصنَّف ضمن المعاملات الدقيقة التي تهدف إلى توفير سيولة فورية دون المساس بالبنية الاستراتيجية للاحتياطي. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن البنك المركزي الروسي يستخدم الذهب كأداة مزدوجة الوظيفة: مخزون استراتيجي طويل الأجل، ومصدر سيولة سريع عند الحاجة لتعويض نقص العملات الأجنبية أو دعم استقرار الروبل في السوق المحلية.

وتعكس هذه العملية أيضاً محدودية الخيارات المتاحة أمام موسكو في ظل العقوبات الغربية التي قيدت قدرتها على الوصول إلى الأسواق المالية الدولية. فبينما تعتمد دول مثل تركيا على الذهب كأداة دفاع تكتيكية في أوقات الأزمات، تستخدمه روسيا اليوم كوسيلة لتخفيف الضغوط المالية المتراكمة، مع الحفاظ على احتياطياتها الضخمة التي لا تزال تمثل أحد أهم عناصر قوتها النقدية.

  1. التداعيات على الاقتصاد الأمريكي: زلزال صامت يعيد تشكيل موازين القوة:

يمكن تحليل تأثير موجة سحب الذهب وإعادة تشكيل الاحتياطيات العالمية على الاقتصاد الأمريكي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

5.1. البعد المالي: تهديد قدرة الولايات المتحدة على تمويل ديونها بتكاليف منخفضة: في تحول تاريخي غير مسبوق، تجاوزت حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية. ووفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، بلغت قيمة الذهب في حوزة البنوك المركزية نحو 4.5 تريليون دولار، مقابل 3.5 تريليون دولار فقط من سندات الخزانة. هذا التحول لم يكن نظرياً، بل كان مدفوعاً بموجة بيع فعلية، حيث خفضت البنوك المركزية الأجنبية تعرضها لسندات الخزانة بنحو 183 مليار دولار منذ أبريل 2025، معيدةً توجيه هذه السيولة إلى شراء الذهب. في سياق يتجاوز فيه الدين الحكومي الأمريكي 36 تريليون دولار، وتصل تكاليف الفائدة اليومية إلى 2.6 مليار دولار، فإن أي تراجع في الطلب الأجنبي على سندات الخزانة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الاقتراض على الحكومة الفيدرالية، مما يضاعف من أزمة الديون المتفاقمة.

5.2. البعد النقدي: تقييد أيدي الاحتياطي الفيدرالي: يُقيد صعود الذهب وانحسار الثقة بالدولار أيدي الاحتياطي الفيدرالي بشكل كبير. فارتفاع سعر الذهب بالدولار إلى مستويات قياسية، حيث تجاوز 4,500 دولار للأونصة في 2025 ووصل إلى 5,600 دولار في 2026، هو في جوهره انعكاس لتآكل القوة الشرائية للعملة الأمريكية. هذا التضخم المُستورد عبر السلع يجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة، حتى في أوقات تباطؤ النمو. وبالفعل، ارتفع الذهب بأكثر من 70% في 2025 وحده، مما يعكس ضعفاً هيكلياً في العملة.

5.3. البعد المؤسسي: تصدع صورة “الحارس الأمين”: الضرر المعنوي والمؤسسي لسحب الذهب قد يكون أعمق من الضرر المالي المباشر. لطالما استفادت الولايات المتحدة من صورتها كحارس أمين لثروات العالم، مما منحها نفوذاً مالياً هائلاً. لكن تجميد الأصول الروسية، يليه تخفيض وكالة موديز للتصنيف الائتماني للولايات المتحدة من AAA إلى AA1 في مايو 2025، قوضا هذه الصورة بشكل جوهري. والأهم من ذلك، أن موجة سحب الذهب لا تقودها دول منافسة أو معادية، بل حلفاء تاريخيون وشركاء استراتيجيون. عندما تقوم دول مؤسسة في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا بسحب ذهبها، فإن ذلك يُترجم في الأسواق والمحافل الدولية على أنه “تصويت بحجب الثقة” في استقرار وموثوقية النظام المالي بقيادة الولايات المتحدة.

  1. تأثير “هجرة الذهب” على سعر الأونصة معقد، لكن يمكن تلخيصه في عدة نقاط رئيسية، مع استعراض لأبرز التوقعات حتى نهاية عام 2026:
    • دعم هيكلي للأسعار: تُشكل مشتريات البنوك المركزية حجر الزاوية في دعم أسعار الذهب. فقد بلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب مستوى قياسياً عند 5002 طن في عام 2025، ويرى المحللون أن هذا الطلب المؤسسي سيستمر في توفير أرضية سعرية صلبة ومرتفعة.
    • تقلبات حادة ومؤقتة: على الرغم من الاتجاه الصعودي العام، إلا أن عمليات البيع المفاجئة من قبل البنوك المركزية (مثل بيع تركيا لـ 60 طناً) تؤدي إلى ضغوط هبوطية قوية ومؤقتة على الأسعار، مما يخلق موجات من التقلب الحاد.
    • مؤشر على تغير التوقعات: تعتبر “هجرة الذهب” في حد ذاتها إشارة قوية للأسواق على تنامي عدم الثقة في النظام المالي القائم على الدولار، مما يعزز جاذبية الذهب كملاذ آمن ويدفع مستثمرين جدد لزيادة تخصيصاتهم منه.
    • توقعات سعر أونصة الذهب بنهاية عام 2026:
    • من المهم ملاحظة أن التوقعات تتفاوت بشكل كبير، مما يعكس حالة عدم اليقين السائدة. على سبيل المثال، يشير بنك “غولدمان ساكس” إلى أن السعر قد يصل إلى 5400 دولار للأونصة بدعم من مشتريات البنوك المركزية وتوقعات خفض الفائدة الأمريكية، في حين أن تقديرات “جي بي مورجان” و”ويلز فارجو” أكثر تفاؤلاً وتتجاوز 6000 دولار.

      1. الخاتمة نحو نظام مالي متعدد الأقطاب:

      في الختام، تمثل “هجرة الذهب الكبرى” التي نشهدها اليوم أكثر من مجرد حركة مادية لسبائك ثمينة عبر المحيطات. إنها إعادة رسم عميقة لخريطة القوة المالية العالمية. ما بدأ كخطوة استباقية من تركيا لتعزيز سيادتها المالية، تحول إلى موجة عالمية تقودها اليوم فرنسا والهند، وتضغط من أجلها ألمانيا وإيطاليا. هذا التوجه يعكس تحولاً بنيوياً في مفهوم السيادة المالية: لم يعد كافياً أن تمتلك الدول الأصول، بل يجب أن تكون تحت سيطرتها الوطنية المباشرة. وبينما تفرغ خزائن نيويورك ولندن تدريجياً من ذهب العالم، تبرز معالم نظام مالي عالمي جديد، أكثر تعددية وأقل اعتماداً على الدولار، حيث يعود الذهب، أصل الملاذ الأخير، ليحتل مكانة مركزية في هيكل الاحتياطيات العالمية. هذا التحول يفرض على صانعي السياسات في الولايات المتحدة والعالم إعادة تقييم جادة لأسس الاستقرار المالي والتعاون الاقتصادي الدولي في العقود القادمة.

    • المراجع:
    • (2026, March 31). محافظ البنك المركزي التركي يدافع عن استخدام احتياطيات الذهب لدعم السيولة.
    • (2024, May 30). India cenbank moves 100 tons of gold from UK to domestic vaults, TOI reports. https://www.reuters.com/world/india/india-cenbank-moves-100-tons-gold-uk-domestic-vaults-toi-reports-2024-05-31/
    • IMF Data. (2025, December 19). IMF Data Brief: Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves. https://data.imf.org/en/news/imf%20data%20brief%20december%2019
    • World Gold Council. (2026, April 4). Central Banks Net Purchased 19 Tons of Gold in February 2026. https://web.gate.it/tr/news/detail/world-gold-council-in-february-central-banks-in-various-countries-net-20050649
    • (2026, January 30). Infographic: Gold Has Overtaken the U.S. Dollar in Central Bank Reserves. https://www.statista.com/chart/35763/share-of-gold-and-us-debt-holdings-in-foreign-central-banks-reserves/
    • Asharq Business. (2026, March 27). تركيا تبيع وتبدّل 60 طناً من الذهب وتضغط على الأسعار. https://asharqbusiness.com/financial-markets/125571/تركيا-تبيع-وتبدل-60-طنا-من-الذهب-وتضغط-على-الأسعار/
    • Al Arabiya. (2026, April 7). فرنسا تسحب 129 طن ذهب من خزائن “الفيدرالي” الأميركي. https://www.alarabiya.net/aswaq/economy/2026/04/07/فرنسا-تسحب-129-طن-ذهب-من-خزائن-الفيدرالي-الاميركي
    • Al Arabiya. (2025, June 23). مطالبات في ألمانيا وإيطاليا بإعادة 245 مليار دولار من الذهب من أميركا. https://www.alarabiya.net/aswaq/special-stories/2025/06/23/مطالبات-ألمانية-بإعادة-الذهب-المودع-في-أميركا
    • Yonhap Infomax. (2025, June 19). 73% of Global Central Banks Plan to Reduce Dollar Share in FX Reserves Within Five Years.
    • https://en.infomaxai.com/news/articleView.html?idxno=17609
    • Economic Times. (2026, January 9). Gold overtakes U.S. Treasuries as the world‘s largest foreign reserve asset in 2026.
    • https://m.economictimes.com/markets/commodities/news/gold-overtakes-u-s-treasuries-as-the-worlds-largest-foreign-reserve-asset-in-2026-can-gold-challenge-the-u-s-dollars-dominance/articleshow/117612468.cms
    • Anadolu Agency. (2026, January 29). US dollar’s share of global reserves shrinks amid policy uncertainty. https://www.aa.com.tr/en/economy/us-dollars-share-of-global-reserves-shrinks-amid-policy-uncertainty/2803912

تنفيذ إدارة المواقع الالكترونية في الجامعة الوطنية الخاصة 2025

Scroll to Top