الـجــامعــــة الــوطنيـــــة الـخــاصـــــة

الواحة الأكاديمية للجامعة الوطنية الخاصة

لماذا يخاف المدراء السوريون من الذكاء الاصطناعي: قراءة تحليلية في ضوء نظرية فوكو (السلطة والمعرفة)

الكاتب: د. محمد جميل الجعفر

كلية العلوم الإدارية و المالية - الجامعة الوطنية الخاصة

ملخص

يستكشف هذا المقال أسباب القلق العميق الذي ينتاب المديرين مع انتشار الذكاء الاصطناعي، بالانطلاق من منظور ميشيل فوكو حول العلاقة الجدلية الأزلية بين السلطة والمعرفة. يرى الباحث أن الخوف لا يقتصر على البطالة التكنولوجية أو التكاليف بل يتجاوز ذلك إلى تهديد وجودي ألا وهو فقدان احتكار تفسير المعرفة التي تُشكّل أساس السلطة الإدارية. فالذكاء الاصطناعي يُعيد إنتاج آليات السلطة الفوكوية ويُعمّقها (إنتاج المعرفة، المراقبة، التوزيع الهرمي، التطبيع)، مما يُحوّل المدير من صانع قرار إلى منفّذ لتوصيات الخوارزمية الآلية. وإذا نظرنا إلى الأمور من المنظور السوري، فإن هذا التحول يهدد البنى التقليدية القائمة على العلاقات الشخصية والحدس العائلي، مما يفتح الباب لإعادة تعريفٍ جذرية لمفهوم السلطة الاقتصادية والإدارية.

الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، نظرية فوكو، السلطة، المعرفة.

أولاً-مقدمة: لماذا يخاف المديرون حقاً؟

خلال السنوات القليلة الماضية، أصبحنا نلاحظ في كل ورشة عمل أو لقاء مع مديرين تنفيذيين سوريين عبارة تتكرر بصيغ مختلفة: الذكاء الاصطناعي شيء جميل… ولكن ليس لنا بل إنه للآخرين. وفي هذا الخضم نلاحظ بأن الابتسامة تكون متوترة، والنبرة نصف مازحة نصف جادة. الكل يعرف بأن التقنية قادمة لا محالة، لكن القليلين هم من يعترفون بصراحة بالسبب الحقيقي للقلق: ليس البطالة التكنولوجية، ولا ينظرون حتى إلى تكلفة التحول الرقمي، وإنما فإن الخوف أعمق بكثير – خوف من أن يفقدوا سيطرتهم الزائفة على المعرفة التي كانوا بيعتبرونها ملكاً لهم وحكراً عليهم، وبالتالي فإنهم يفقدون السلطة ذاتها.

وفي هذا السياق، يصبح ميشيل فوكو رفيقاً لا غنى عنه في تفسير هذه الروابط، لأن فوكو لم يكن يتحدث عن السلطة كشيء يُمسك به الملوك أو الرؤساء، بل كشبكة علاقات لا تنفصل عن إنتاج المعرفة. السلطة/المعرفة عنده وحدة واحدة [1]. والذكاء الاصطناعي اليوم هو أقوى تقنية معرفية-سلطوية ظهرت منذ اختراع السجل السكاني والملف الطبي والامتحان المدرسي.

ثانياً-  السلطة والمعرفة عند فوكو وتجلياتها في عصر الذكاء الاصطناعي:

في كتابه مراقبة وعقاب وتاريخ الجنسانية، يحدد فوكو أربع آليات رئيسية للسلطة الحديثة وهي : إنتاج المعرفة عن الأفراد، توزيع الأجساد في المكان والزمان، المراقبة المستمرة، والتطبيع [2][3]. والمدهش للمراقب بأن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتطبيق هذه الآليات وحده، بل يرفعها إلى مستوى لم يكن ممكناً من قبل.

جدول (1): آليات السلطة الفوكوية بين المدير البشري والذكاء الاصطناعي

آلية فوكو

كيف كانت تُمارس تقليدياً (المدير البشري)

كيف يُمارسها الذكاء الاصطناعي اليوم

التهديد على سلطة المدير

إنتاج المعرفة

تقارير الأداء، الاجتماعات الشخصية، (الحدس الإداري)

خوارزميات تحليل البيانات، توقع الاستقالة، تحليل المشاعر

المعرفة لم تعد حكراً على المدير

التوزيع الهرمي

المدير يقرر من يُرقّى ومن يُعاقب

نماذج (عادلة موضوعياً) تقترح القرارات تلقائياً

المدير يصبح مجرد منفّذ لتوصيات الآلة

المراقبة البانوبتيكية

كاميرات، بطاقات الدخول، تقارير الحضور

تتبع الماوس، تحليل البريد، قياس الإنتاجية بالثانية

الرقابة لم تعد تحتاج إلى حضور المدير

التطبيع (Normalisation)

ثقافة الشركة، (القيم الأساسية)، مراجعات الأداء

خوارزميات تحدد (الموظف المثالي) وتصنف الانحرافات

المدير نفسه قد يُقيَّم من الآلة

ثالثا ً-المخاوف الحقيقية (ما وراء الخطاب الرسمي):

عندما نسأل الكوادر الإدارية علناً عن ماهية مخاوفهم، نسمع الإجابات المعتادة: خصوصية البيانات، المسؤولية الأخلاقية، الحاجة إلى حوكمة. لكن في اللقاءات الخاصة – وأنا أتحدث هنا من تجربة ميدانية مع عدد لا بأس به من المديرين السوريين خلال السنتين الماضيتين – يخرج الخوف الحقيقي: أن تُسلب منهم القدرة على قراءة البيانات بطريقتهم الخاصة، تلك اللمسة الإنسانية التي كانوا يسمونها خبرة، وأن يصبحوا هم أنفسهم موضوع مراقبة، وأن تُكشف قراراتهم السابقة على أنها مجرد تحيزات [5].

رابعاً- الذكاء الاصطناعي: سلطة مُضاعِفة أم سلطة مضادة؟

هنا يمكننا تمييز قراءتين فوكويتين متعارضتين:

أ. القراءة المهيمنة في أدبيات الشركات الكبرى: فإنهم يعتبرون بأن االذكاء الاصطناعي أداة لتضخيم السلطة الإدارية. فإن المدير يحصل على بانوبتيكون رقمي مثالي – يرى كل شيء ولا يُرى [4].

ب. القراءة النقدية: كل سلطة تولّد مقاومة [3]. والمقاومة اليوم تأخذ أشكالاً متعددة: موظفون يستخدمون Mouse Jigglers لخداع أنظمة التتبع، آخرون يستعينون بـChatGPT لكتابة تقاريرهم، اتحادات عمالية تطالب بشفافية الخوارزميات، وحتى خوارزميات تكشف تمييزاً منهجياً في الترقيات فتُحرج الإدارة العليا.

خامساً-الانعكاسات على الشركات السورية والمدراء العاملين بها:

في السياق السوري، تأخذ هذه الديناميكية طابعاً خاصاً: كثير من الشركات العائلية بنت سلطتها على احتكار معرفة السوق عبر علاقات شخصية وحدس تجاري لا يُسأل عنه، لذلك فإن الذكاء الاصطناعي يكشف أن كثيراً من هذا الحدس كان مجرد تحيزات أو قرارات عشوائية [7]، وإدخال أنظمة مراقبة رقمية قد يضع صاحب الشركة نفسه تحت عين الشركاء أو المستثمرين الأجانب، والتطبيع الخوارزمي يصطدم بثقافة عمل تعتمد العلاقات العائلية والولاء الشخصي، مما يولّد لديهم توتراً عميقاً.

خاتمة: المدير السوري في عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي:

يجد المدير السوري نفسه اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما يحمل وطأة وجودية حقيقية.

الخيار الأول هو أن يتحول إلى كاهن الخوارزمية الجديد. أن يتقن لغة النماذج التنبؤية والبيانات الضخمة، وأن يصبح هو المفسر الوحيد لما تقوله الآلة، فيحتفظ بسلطته لكن بثمن باهظ: التخلي عن الحدس الشخصي الذي كان يوماً مصدر شرعيته. هذا هو المسار الذي سلكه بالفعل عدد لا بأس به من الرؤساء التنفيذيين في الشركات العالمية، حيث صار لقب مدير البيانات التنفيذي (Chief Data Officer) في كثير من الأحيان أقوى تأثيراً من لقب المدير التنفيذي نفسه [4].

أما الخيار الثاني فهو المقاومة: التمسك بمساحة ضيقة للحكم الإنساني الغير قابل للأتمتة، تلك القدرة على شم رائحة الصفقة، أو تقدير الولاء الحقيقي، أو اتخاذ قرار من القلب عندما تكون البيانات غامضة أو ناقصة، فإن هذا الخيار يُقابل عادة باتهام فوري باللودية التكنولوجية والتخلف عن الركب، ومع ذلك فهو مفهوم تماماً؛ إذ يدافع صاحبه عن عالم كانت فيه السلطة تُبنى على الخبرة المتراكمة والعلاقات الشخصية لا على إتقان لغة بايثون والإحصاء المتقدم.

في الحالتين، لا يلغي الذكاء الاصطناعي السلطة الإدارية، بل يعيد صياغة شروطها من الأساس. والخوف الأعمق – الذي يُهمس به في الاجتماعات المغلقة أكثر مما يُعلن في التقارير الرسمية – ليس من الآلة بحد ذاتها، وإنما من قدرتها على كشف زيف الموضوعية التي طالما اتكأنا عليها [5]، ومن إظهارها أن كثيراً من قراراتنا العظيمة لم تكن في حقيقتها سوى تحيزات مغلفة بثوب الكفاءة والأرقام.

كما تعلمنا من فوكو منذ عقود: المعرفة لا تكون بريئة أبداً، والسلطة لا توجد خارج المعرفة [1][3]. والمديرون اليوم – في سوريا كما في غيرها – يحاولون بكل السبل إبطاء وتيرة التحول، ليس كراهية للتقنية، بل لأنهم يدركون جيداً أن احتكار تفسير المعرفة هو آخر حصن متبقٍ للسلطة في أنظمة لا تزال، إلى حد بعيد، أبوية وذكورية، وتقوم على الولاء الشخصي أكثر من الكفاءة الموضوعية.

وبالتالي، فإن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية جديدة؛ إنه أكبر مختبر عملي للنظرية الفوكوية منذ قرن كامل.

قائمة المراجع الأجنبية:

 [1]Foucault, M. (1976). Histoire de la sexualité 1: La volonté de savoir. Gallimard.

 [2]Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison. Gallimard.

 [3]Foucault, M. (1976). La volonté de savoir.

 [4]Brown, A. J., & Viale, T. (2024). Theory-driven perspectives on generative artificial intelligence in business and management. British Journal of Management, 35(2), 456-478. https://doi.org/10.1111/1467-8551.12788

 [5]Flanagan, B., & Fotheringham, D. (2024). We’re only human after all: A critique of human-centred AI. AI & Society, 40(3), 1303-1319. https://doi.org/10.1007/s00146-024-01976-2

[6] Lagdameo, F. J. T. (2025). Digital governmentality: Technological subjectivation and AI. Kaabigan: Journal of the Panpacific University, 3(2), 1-17. https://doi.org/10.5281/zenodo.16786093

[7] Secundo, G., Spilotro, C., Gast, J., & Corvello, V. (2025). The transformative power of artificial intelligence within innovation ecosystems. Review of Managerial Science, 19(1), 1-25. https://doi.org/10.1007/s11846-024-00745-3

تنفيذ إدارة المواقع الالكترونية في الجامعة الوطنية الخاصة 2025

Scroll to Top