الـجــامعــــة الــوطنيـــــة الـخــاصـــــة

الواحة الأكاديمية للجامعة الوطنية الخاصة

العمارة كوسيلة لشفاء الذاكرة المجتمعية: نحو إعادة تشكيل الانتماء في المدن المدمرة

الكاتب: د. صفوت ابراهيم باشا

هندسة العمارة والتخطيط العمراني - الجامعة الوطنية الخاصة -

الكاتب: م. رؤى قلفا

هندسة العمارة والتخطيط العمراني - الجامعة الوطنية الخاصة -

المقدمة:

تُعدّ المدن المدمّرة بفعل الحروب أو الكوارث الطبيعية أماكن مثقلة بالذاكرة والصدمات، وتطرح عملية إعادة إعمارها تحدياً يتجاوز الجانب المادي إلى البُعد النفسي، الاجتماعي والثقافي.

حيث إن العمارة لا تلعب دوراً محايداً في هذا المجال، بل إنها تُسهم في تشكيل إدراك الناس للمكان، وفي تضميد جراح الذاكرة الجمعية، من خلال تصميمات تُراعي الرمزية، وتُعيد بناء الانتماء.

في هذا السياق، يهدف هذا البحث إلى تحليل العمارة كوسيلة لشفاء الذاكرة المجتمعية، من خلال نماذج واقعية، وتأطير نظري يُبرز العلاقة بين المكان والهوية والذاكرة، مع اقتراح أدوات تصميمية تُعزز المشاركة والاعتراف الجمعي، مدعومة بدراسة حالة مدينة حلب كمثال تطبيقي.

1-العمارة والذاكرة الجمعية:

1-1 الذاكرة الجمعية: المفهوم والنشأة الفكرية

ظهر مفهوم الذاكرة الجمعية لأول مرة من قبل عالم الاجتماع الفرنسي موريس (Maurice Halbwachs) الذي أكد أن الذاكرة ليست مجرد نشاط فردي، بل تنبثق وتتكوّن داخل الجماعة فالفرد لا يتذكّر بشكل معزول، بل يستدعي ذكرياته داخل أطر اجتماعية تساعده على تشكيلها وإعطائها معنى.

“الذكريات الفردية دائماً تُستحضر ضمن أُطر اجتماعية” Halbwachs))

1-2 أنواع الذاكرة الجمعية:

  • الذاكرة التواصلية (Communicative Memory):

ذاكرة حيّة تنتقل شفهياً بين جيل وآخر، مثل الحكايات العائلية والذكريات اليومية. عمرها قصير نسبياً.

  • الذاكرة الثقافية (Cultural Memory):

ذاكرة مؤسسية وطويلة الأمد تُنقل عبر الرموز، الطقوس والمعالم المعمارية. هي التي تحفظ هوية المجتمعات على مدى قرون، وتُعدّ العمارة أحد أهم تجلياتها.

1-3 العمارة كوسيط ذاكرة:

تلعب العمارة دوراً محورياً في ترسيخ الذاكرة الجمعية من خلال:

  • المكان كمخزن للذاكرة:

الأماكن ليست مجرد مواقع فيزيائية، بل هي حاملات لمعانٍ وتجارب جماعية. مثل: السوق القديم، المسجد التاريخي، الحي الشعبي… كلها مخازن حسيّة للذاكرة.

  • المادة والرمز:

العمارة تُحوّل الذاكرة إلى شكل ملموس، مثل النصب التذكارية، بقايا الجدران، أو حتى الأسطح التي تشهد على الحرب والدمار.

  • إنتاج الهوية الجمعية:

ترتبط العمارة بالهوية من خلال لغة الشكل والمكان، فهي تُعبر عن (من نحن) جماعياً، وتُعيد تعريف هذا (النحن) بعد الأزمات.

1-4 مفاهيم نظرية داعمة:

  • (Pierre Nora): قدّم مفهوم “أماكن الذاكرة” (Lieux de Mémoire)، أي أن بعض المواقع تصبح رموزاً جماعية تتجاوز وظيفتها المادية.

مثل قلعة حلب، أو ساحة الجامع الأموي، التي تحوّلت إلى نقاط ارتكاز رمزية في وعي سكان المدينة.

  • (Jan Assmann): ميّز بين الذاكرة الثقافية والتواصلية، وبيّن كيف أن النصب والمباني تُستخدم في تأبيد ذاكرة جماعية مختارة من قبل الدولة أو الجماعة.

 1-5 العمارة بين الذاكرة والسلطة:

لا يمكن فهم الذاكرة الجمعية دون ربطها بالسلطة فاختيار ما يُرمّم وما يُهمل، ما يُخلّد وما يُنسى، هو فعل سياسي وثقافي في آنٍ معاً.

حيث أن العمارة تستخدم لإعادة إنتاج سردية معينة عن الماضي، وتقصي سرديات أخرى، ما يجعل المعمار أداة تشكيل للوعي الجماعي.

2- البُعد النفسي والاجتماعي في إعادة الإعمار – من البناء إلى التئام الذاكرة:

2-1 العمارة كأداة للشفاء النفسي الجماعي:

في أعقاب الحروب والكوارث، لا يكون التحدي فقط في إزالة الركام، بل في إزالة آثار الصدمة من النفوس. وتلعب العمارة هنا دوراً يُشبه دور العلاج النفسي، إذ تساعد في:

  • استعادة الشعور بالانتماء:

عندما يعود الإنسان إلى حيّه، إلى معالمه المألوفة (وإن كانت مُرممة)، يشعر بأن جزءاً من ماضيه لم يُمحَ، بل لا يزال موجوداً.

  • إعادة بناء الإحساس بالزمن:

الخراب يجمّد الزمن لكن ترميم مكان يحمل ذاكرة يعيد تفعيل الزمن الداخلي للسكان وكأن العمارة تقول لهم: الحياة مستمرة.

  • كسر حالة التيه:

بعد النزوح تكون العودة إلى أماكن الذاكرة (حتى بصورتها المتغيرة) بمثابة استرجاع للهوية الضائعة.

2-2 إعادة الإعمار بوصفها حدثاً اجتماعياً:

يُخطئ من يظن أن إعادة الإعمار هي فقط مهمة المعماريين والمخططين، إنها عملية اجتماعية، ثقافية، نفسية جماعية، تتطلب:

  • مشاركة السكان في اتخاذ القرار:

عندما يُشرك المجتمع المحلي في تصميم وإعادة بناء الأحياء، يشعر بأنه يستعيد السيطرة على مصيره، ما يعزز من الإحساس بالتمكين.

  • أخذ العادات الاجتماعية بعين الاعتبار:

لا يمكن بناء وحدات سكنية حديثة منزوعة عن السياق الثقافي المحلي فالمساحات المفتوحة، الباحات، المداخل، العلاقات البصرية كلها عناصر يجب أن تراعي الثقافة اليومية.

  • إحياء النسيج الاجتماعي:

كثير من الأحياء كانت ترتكز على علاقات الجيرة، الأسواق، المساجد، المدارس القريبة ،ان إعادة هذه المنظومة الاجتماعية المعمارية تُعيد اللحمة للمجتمع.

“العمارة ليست فقط ما نراه، بل ما نعيشه ونشعر به.”

2-3 الذاكرة المؤلمة والمكان: من الصدمة إلى المعنى

ليست كل ذاكرة تستحق الإحياء فوراً، فبعض الأمكنة تكون شاهدة على مجازر أو قصف أو خيانة، وهنا يظهر سؤال شائك:

  • هل يجب الحفاظ على الخراب كما هو؟
  • أم محوه بالكامل لبداية جديدة؟
  • أم ترميمه جزئياً مع ترك أثر الندبة؟

يُقترح هنا التعامل مع الذاكرة المؤلمة كما في علاج الجروح لا نغلقها فجأة، بل نسمح لها بالشفاء التدريجي، وترك أثر يذكّر، لا يعيد الجرح.

2-4 أمثلة تحليلية:

  • ألمانيا (برلين):

تركت أجزاء من سور برلين ودمجتها ضمن عمارة حديثة لتكون شاهداً على الانقسام، وتحويله إلى أداة تذكير.

الشكل 1: جدار برلين

  • البوسنة (سراييفو):

بعض المباني المتضررة حُوّلت إلى متاحف للذاكرة، مع الحفاظ على آثار الرصاص والدمار كشهادات بصرية.

الشكل2: متحف نفق سراييفو

لبنان (بيروت وسط المدينة):

شهدت جدلاً كبيراً بين الإبقاء على الدمار أو إعادة الإعمار الكامل حيث أن المشروع النهائي غيّب كثيراً من ملامح الذاكرة.

3-مقاربات إعادة الإعمار بعد الصراعات بين الاستعادة، النسيان، وإعادة التخيّل:

إعادة إعمار المدن المدمّرة ليست مجرد عملية هندسية لإعادة المباني إلى ما كانت عليه، بل هي فعل ثقافي وسياسي ونفسي يتعلّق بكيفية فهم المجتمع لماضيه وتخيّله لمستقبله. حيث تظهر هنا تظهر ثلاث مقاربات رئيسية:

3-1 الاستعادة التامة (Reconstruction as it was)

إعادة ما تهدّم كما كان عليه.

في هذا النموذج، يُعاد بناء المدينة أو أجزائها كما كانت قبل الدمار، حرفياً أو رمزياً، اعتماداً على الوثائق، الصور، أو الذاكرة الجمعية.

المزايا:

  • يرمم الانتماء ويعيد الطمأنينة النفسية.
  • يُظهر احتراماً للماضي وللهوية التاريخية.
  • يحافظ على الطابع المعماري والتراثي للمكان.

التحديات:

  • قد يُنظر إليه كنوع من تجميد الماضي دون معالجة جذوره.
  • يتطلب موارد ضخمة، ومعلومات دقيقة قد لا تكون متاحة.
  • يُخفي أحيانًا الندوب التي من المفيد أن تبقى كشهادة.

مثال:

  • مدينة وارسو، بولندا بعد الحرب العالمية الثانية، أُعيد بناؤها حرفياً اعتماداً على لوحات رسام يُدعى كانالتو من القرن 18.

الشكل3: لوحة للفنان كانالتو

3-2 إعادة التخيّل (Reimagination)

إعادة تشكيل المدينة بشكل جديد يُعيد المعنى دون تكرار الشكل.

حيث تركز هذه المقاربة على إعادة إحياء روح المكان، دون التقيّد بالمظهر السابق، وهي تُعبّر عن بداية جديدة للمجتمع.

المزايا:

  • تعبّر عن تجاوز الصدمة وبداية جديدة.
  • تسمح بإدخال وظائف جديدة تلائم الحاضر والمستقبل.
  • تحتفي بالإبداع المحلي والتجدد الثقافي.

التحديات:

  • قد تُتّهم بأنها تنكّرت للماضي وتجاهلت الذاكرة.
  • تخلق قطيعة مع المكان الأصلي وتربك السكان أحيانًا.
  • تصبح أحيانًا واجهات تجارية أكثر من كونها فضاءات للانتماء.

مثال:

  • برج التجارة العالمي في نيويورك، لم يُعاد بناؤه كما كان، بل أُنشئ تصميم رمزي جديد يُعيد تأطير الذاكرة بطريقة حديثة.

الشكل4: برج التجارة العالمي (قبل)

الشكل5: برج التجارة العالمي (بعد)

3-3 الإبقاء على آثار الخراب (Preserving the Ruins)

ترك آثار الدمار كشهادات مرئية.

هنا يُترك جزء من الموقع المدمّر كما هو أو يُدمج في المشروع الجديد ليكون شاهداً على ما جرى، كفعل مقاومة ضد النسيان.

المزايا:

  • يُحافظ على الندبة كجزء من سردية الذاكرة.
  • يفتح المجال للمعالجة النفسية من خلال المواجهة مع الماضي.
  • يُحبط محاولات إنكار أو تزييف ما جرى.

التحديات:

  • قد يُشعر السكان بأن الألم ما زال حياً.
  • يُساء استخدامه سياسياً أحياناً للتلاعب بالخطاب.
  • قد يتحول إلى فراغ مهمل بلا روح إذا لم يُفعل بشكل مدروس.

مثال: كنيسة القيصر في برلين (Kaiser Wilhelm Memorial Church): تُركت كما هي بعد قصفها، كجزء من نصب السلام.

الشكل6: كنيسة القيصر في برلين

3-4 مقاربة هجينة: الدمج التشاركي

بعض المدن تبنّت مقاربة هجينة تمزج بين الحفاظ على بعض المعالم، إعادة بناء أخرى، وتخيّل مناطق جديدة، بمشاركة المجتمع المحلي.

مثال: مدينة نانت الفرنسية،حيث بُنيت مناطقها الصناعية المدمرة كمراكز ثقافية حديثة، دون محو رمزية الماضي، بمشاركة السكان.

الشكل7: مركز ثقافي وطني في مدينة نانت ناتج عن تحول مركز صناعي

لا توجد مقاربة مثالية، فكل مدينة لها خصوصيتها، لكن العامل الحاسم في نجاح أي نهج هو: مدى احترامه لذاكرة الناس، وإشراكهم في صنع مستقبلهم.

4-العمارة كأداة مقاومة رمزية وثقافية:

في المجتمعات الخارجة من الحروب أو القمع السياسي، لا تكون المقاومة دائماً بالسلاح، بل كثيراً ما تتخذ شكلاً رمزياً وثقافياً. هنا تبرز العمارة كأحد أقوى أدوات التعبير عن الرفض والصمود والبقاء.

4-1 المقاومة المعمارية: المقاومة المعمارية لا تعني فقط بناء ما تهدّم، بل التصميم الواعي الذي يُعبّر عن رفض المحو، والتمسك بالهوية، واستعادة السيادة الرمزية على المكان.

وهي تشمل:

  • إعادة بناء الأماكن المدمرة بإرادة جماعية تتحدى محاولات الطمس.
  • ترميم البيوت والأسواق والمساجد بجهود أهلية كفعل رفض للهجرة والتهجير.
  • دمج عناصر من الذاكرة في التصاميم الجديدة (مثل الزخارف أو المواد المحلية).
  • إعادة تسمية الأماكن أو الشوارع لتخليد الضحايا أو لحفظ الحكاية.

4-2 الفضاء العام كمساحة نضال:

  • الساحة، الزاوية، الحارة، الجامع: لم تكن فقط أماكن عبور، بل فضاءات تشكّلت فيها الحياة، والعلاقات، والمقاومة.
  • بعد الحرب، تصبح إعادة تفعيل هذه الأماكن جزءاً من استرداد الكرامة، تمامًا كما حصل في بعض أحياء جنين والموصل.

4-3 الترميم كفعل سياسي:

  • عندما يرمم السكان سوقاً مدمراً أو يعيدون فتح فرن شعبي، لا يقومون فقط بترميم حجر، بل يعلنون: “نحن هنا، لم نُمحَ، ولن يُعاد تشكيلنا وفق إرادة خارجية”.
  • المعمار هنا ليس وظيفة تقنية، بل تعبير رمزي عن استمرارية الوجود.

4-4 أمثلة رمزية:

  • غزة: بُنيت العديد من المدارس والمراكز بأسماء الشهداء والمواقع المستهدفة، كوسيلة لعدم نسيان القصة.
  • بيروت بعد 2006: تمت إعادة بناء بعض الأحياء بنفس مخططها الأصلي على يد الأهالي، مع إضافة عناصر مقاومة بصرية (لوحات، نقوش، ألوان محددة).
  • جنين (مخيم اللاجئين): بُني مسرح الحرية في موقع دمار، وأصبح فضاءً للذاكرة والمقاومة الثقافية.

4-5 العمارة كخطاب مضاد:

في وجه الخطابات التي تروّج للنسيان أو لإعادة الإعمار النظيف المفرغ من الذاكرة، تقف العمارة التشاركية والمحلية كخطاب بديل:

  • خطاب يعيد سرد القصة من وجهة نظر الناس.
  • لا يتجنب الألم، بل يوثقه بطريقة تحفظ المعنى.
  • يُدخل الثقافة والكرامة في قلب عملية التصميم.

في ضوء هذا الفهم، سننتقل الآن إلى دراسة حالة تطبيقية لمدينة حلب، لنرى كيف يمكن تحويل هذه المفاهيم النظرية إلى مقاربة تصميمية حقيقية على أرض الواقع.

5-حلب بعد الدمار (العمارة كوسيلة لإحياء الذاكرة والانتماء)

5-1 حلب:

ذاكرة مدينة عمرها آلاف السنين تعد حلب من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، بحكم موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير. غناها الثقافي تجلّى في تنوعها الديني، والعرقي، والمعماري: من القلعة، إلى الجامع الأموي، إلى الأسواق القديمة والحمامات والبيوت ذات الأفنية الداخلية.

قبل الحرب، لم تكن حلب مدينة فقط، بل نسيج ذاكرة حيّة، حيث كانت الحياة اليومية تجري في قلب التراث.

5-2 الدمار وآثاره النفسية والاجتماعية:

منذ عام 2012، تحوّلت حلب، خاصة مدينتها القديمة، إلى مسرح للدمار:

  • الأسواق القديمة: احترقت وتفككت، وفُقد معها الإرث المادي والرمزي.
  • الجامع الأموي: تعرض للانهيار الجزئي، ما أحدث صدمة للناس، لأنه لم يكن فقط مسجداً، بل مرآة لهوية حلب.
  • الأحياء الشعبية: دُمّرت بالكامل، كحي السكري والصاخور وغيرها، ما خلق تهجيراً نفسياً واجتماعياً كبيراً.

“أن تفقد بيتك هو أن تفقد جزءاً من نفسك… أن تفقد مدينتك هو أن تفقد إحساسك بالزمن والمكان.”

5-3 التحديات بعد الحرب:

  • هل نعيد بناء المدينة كما كانت؟
  • هل نُنشئ مدينة جديدة فوق الأنقاض؟
  • كيف نُعيد الحياة دون أن نُميت الذاكرة؟

كانت هذه الأسئلة مركزية في المقاربات التي نوقشت محلياً ودولياً.

5-4 مقاربة مقترحة: (إعادة الإعمار كفعل شفاء)

المبدأ الأول: إحياء النسيج بدلاً من استنساخه

  • ترميم الأسواق القديمة تدريجياً، بإعادة توظيفها كسوق محلي حرفي مع الحفاظ على الطابع المادي (الحجر، العقود، المشربيات).
  • الحفاظ على آثار بعض الجدران المدمرة وإدخالها ضمن التصاميم الجديدة كشاهد رمزي.

المبدأ الثاني: إشراك الأهالي في القرار

  • تنفيذ ورشات تصميم تشاركي مع السكان العائدين: ما الذي تريد أن تراه مجددًا؟ ما الأماكن التي تحمل لك ذكرى؟

المبدأ الثالث: معالجة الذاكرة المؤلمة من خلال المعمار

  • إنشاء حدائق ذاكرة أو فضاءات عامة تفاعلية في المناطق التي شهدت أعنف الاشتباكات، تحوّل الصدمة إلى تأمل.

المبدأ الرابع: الحفاظ على الطابع الحَلَبي

  • استخدام مواد البناء التقليدية مثل الحجر الحلبي في التصاميم الجديدة.
  • دعم الحرف التقليدية (الزخرفة، النجارة، النحاسيات) في عملية إعادة البناء.

إعادة إعمار حلب ليست مجرد مشروع إنشائي، بل عملية شفاء جماعي تتطلب وعياً عميقاً بتاريخ المدينة، وجرأة في مواجهة الذاكرة، ورؤية مستقبلية تُعيد بناء الانتماء دون تزوير الماضي.

إذا أعدنا بناء الحجر دون أن نعيد بناء المعنى، فقد نكون بنينا مدينة، ولكننا لم نُعد بناء حلب.

6- توصيات تصميمية ومعمارية لإعادة تشكيل الانتماء والذاكرة:

في ضوء ما تم استعراضه من نظريات ومقاربات، ومن خلال دراسة الحالة لمدينة حلب، يمكن بلورة مجموعة من التوصيات التي تساعد المعماريين والمخططين والمجتمعات المحلية على استعادة المعنى والذاكرة في مشاريع إعادة الإعمار:

  1. إدماج الذاكرة الجمعية ضمن عملية التصميم
  • ضرورة جمع الروايات الشفوية من السكان، واستخدامها لتحديد الأماكن ذات الرمزية الخاصة.
  • إدخال رموز أو نقوش أو تسميات ذات دلالة عاطفية واجتماعية في التصاميم المعمارية.

مثال: نقش أسماء الحارات القديمة على حجارة السوق المُرمم.

  1. الحفاظ على النسيج العمراني المحلي
  • إعادة استخدام المخططات التقليدية التي تعتمد على الحارات الضيقة والأفنية الداخلية، ما يعزز الإحساس بالانتماء.
  • احترام مقياس الإنسان في التصميم، وعدم فرض أنماط عمرانية ضخمة تُقصي الحياة اليومية.
  1. تفعيل العمارة التشاركية
  • إشراك المجتمع المحلي في تحديد أولويات إعادة الإعمار، من خلال لقاءات، ورشات، أو استبيانات.
  • إشراك الحرفيين التقليديين في أعمال البناء والترميم للحفاظ على الروح الأصيلة للمكان.
  1. الحفاظ على ندوب الدمار بشكل مدروس
  • عدم إزالة كل آثار الدمار، بل ترك بعض الشواهد كجزء من النسيج العمراني الجديد، سواء كعناصر فنية أو تعليمية.
  • إنشاء متاحف أو فضاءات تأملية في المواقع الأكثر تضرراً.
  1. إدخال عناصر الطبيعة والضوء في التصميم
  • استخدام الضوء الطبيعي كأداة رمزية للشفاء والانفتاح، خاصة في المباني العامة.
  • إنشاء حدائق صغيرة داخل الأحياء المرممة لتوفير بيئة نفسية داعمة.
  1. إعادة تفعيل الفضاءات العامة كأماكن تفاعل مجتمعي
  • إعادة إحياء الساحات والفراغات بين الأبنية كمراكز حياة، لا كمساحات معمارية فقط.
  • إدخال أنشطة ثقافية وفنية مستمرة تعزز استعادة الحياة العامة (مثل عروض، معارض، سرد حكايات).
  1. دعم إعادة استخدام المباني بدلًا من الهدم
  • تشجيع إعادة تأهيل المباني المتضررة جزئياً بدل هدمها بالكامل، للحفاظ على الروح البصرية والنسيج المعماري.
  • دعم برامج تمويل صغيرة للعائلات لإصلاح بيوتها بدل انتظار مشاريع ضخمة مؤجلة.
  1. العمل على تصميم ذاكرة مدنية مستقبلية
  • تضمين مبادئ الذاكرة والانتماء في قوانين وأنظمة التخطيط، بحيث تصبح جزءاً من التخطيط الحضري الرسمي.
  • دعم البحث الأكاديمي في العلاقة بين العمارة والشفاء النفسي والاجتماعي في المدن المتضررة.
  1. التنسيق بين الجهات المحلية والدولية
  • توحيد الرؤى بين المؤسسات الحكومية، المنظمات الدولية، والسكان، من خلال آلية تنسيق تشاركية وشفافة.
  1. وضع خطة طويلة المدى لإعادة الإعمار
  • التخلي عن الحلول العاجلة التي تركز على البناء فقط، والاتجاه نحو استراتيجية بعيدة المدى تُعيد بناء الإنسان والمكان معاً.

خاتمة تحليلية:( نحو عمارة تشفي لا تُجمّل فقط)

إعادة الإعمار ليست نهاية الحرب، بل بداية سؤال جديد: كيف نُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان بعد أن فُقدت الثقة، والذاكرة، والانتماء؟

ما أظهرته التجارب التاريخية، والنماذج الحية، مثل حلب ووارسو وبرلين وبيروت، هو أن نجاح العمارة في هذه السياقات لا يقاس بسرعة الإنجاز أو فخامة البناء، بل: بقدرتها على تضميد الجراح دون محوها بقدرتها على جعل الناس يشعرون أن المكان ما زال لهم، بقدرتها على استعادة الإحساس بالزمن والانتماء.

إن عمارة ما بعد الدمار ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية. إنها مسؤولية ثقيلة تقع على عاتق المعماريين والمخططين والمجتمعات المحلية فهل سنُعيد بناء المدن كأن شيئاً لم يكن؟ أم سنُعيد بناءها كي لا ننسى ما كان؟

المراجع

  1. Halbwachs, M. (1992). On Collective Memory. University of Chicago Press.
  2. Lefebvre, H. (1991). The Production of Space. Blackwell.
  3. Low, S. M., & Altman, I. (1992). Place Attachment. Springer.
  4. Nora, P. (1989). Les Lieux de Mémoire. Gallimard.
  5. Till, J. (2009). Architecture Depends. MIT Press.
  6. UNESCO Reports on Aleppo Rehabilitation Projects (2017-2023).

Vale, L. J., & Campanella, T. J. (2005). The Resilient City: How Modern Cities Recover from Disaster. Oxford University Press

تنفيذ إدارة المواقع الالكترونية في الجامعة الوطنية الخاصة 2025

أهلا وسهلا بكم في الواحة الأكاديمية للجامعة الوطنية الخاصةانقر لزيارة الموقع الرسمي للجامعة الوطنية الخاصةانقر لزيارة موقع الواحة الطلابية للجامعة الوطنيةانقر لزيارة موقع المكتبة الالكترونية للجامعة الوطنية الخاصة
Scroll to Top