العمارة كوسيلة لشفاء الذاكرة المجتمعية: نحو إعادة تشكيل الانتماء في المدن المدمرة
هندسة العمارة والتخطيط العمراني - الجامعة الوطنية الخاصة -
هندسة العمارة والتخطيط العمراني - الجامعة الوطنية الخاصة -
المقدمة:
تُعدّ المدن المدمّرة بفعل الحروب أو الكوارث الطبيعية أماكن مثقلة بالذاكرة والصدمات، وتطرح عملية إعادة إعمارها تحدياً يتجاوز الجانب المادي إلى البُعد النفسي، الاجتماعي والثقافي.
حيث إن العمارة لا تلعب دوراً محايداً في هذا المجال، بل إنها تُسهم في تشكيل إدراك الناس للمكان، وفي تضميد جراح الذاكرة الجمعية، من خلال تصميمات تُراعي الرمزية، وتُعيد بناء الانتماء.
في هذا السياق، يهدف هذا البحث إلى تحليل العمارة كوسيلة لشفاء الذاكرة المجتمعية، من خلال نماذج واقعية، وتأطير نظري يُبرز العلاقة بين المكان والهوية والذاكرة، مع اقتراح أدوات تصميمية تُعزز المشاركة والاعتراف الجمعي، مدعومة بدراسة حالة مدينة حلب كمثال تطبيقي.
1-العمارة والذاكرة الجمعية:
1-1 الذاكرة الجمعية: المفهوم والنشأة الفكرية
ظهر مفهوم الذاكرة الجمعية لأول مرة من قبل عالم الاجتماع الفرنسي موريس (Maurice Halbwachs) الذي أكد أن الذاكرة ليست مجرد نشاط فردي، بل تنبثق وتتكوّن داخل الجماعة فالفرد لا يتذكّر بشكل معزول، بل يستدعي ذكرياته داخل أطر اجتماعية تساعده على تشكيلها وإعطائها معنى.
“الذكريات الفردية دائماً تُستحضر ضمن أُطر اجتماعية” Halbwachs))
1-2 أنواع الذاكرة الجمعية:
ذاكرة حيّة تنتقل شفهياً بين جيل وآخر، مثل الحكايات العائلية والذكريات اليومية. عمرها قصير نسبياً.
ذاكرة مؤسسية وطويلة الأمد تُنقل عبر الرموز، الطقوس والمعالم المعمارية. هي التي تحفظ هوية المجتمعات على مدى قرون، وتُعدّ العمارة أحد أهم تجلياتها.
1-3 العمارة كوسيط ذاكرة:
تلعب العمارة دوراً محورياً في ترسيخ الذاكرة الجمعية من خلال:
الأماكن ليست مجرد مواقع فيزيائية، بل هي حاملات لمعانٍ وتجارب جماعية. مثل: السوق القديم، المسجد التاريخي، الحي الشعبي… كلها مخازن حسيّة للذاكرة.
العمارة تُحوّل الذاكرة إلى شكل ملموس، مثل النصب التذكارية، بقايا الجدران، أو حتى الأسطح التي تشهد على الحرب والدمار.
ترتبط العمارة بالهوية من خلال لغة الشكل والمكان، فهي تُعبر عن (من نحن) جماعياً، وتُعيد تعريف هذا (النحن) بعد الأزمات.
1-4 مفاهيم نظرية داعمة:
مثل قلعة حلب، أو ساحة الجامع الأموي، التي تحوّلت إلى نقاط ارتكاز رمزية في وعي سكان المدينة.
1-5 العمارة بين الذاكرة والسلطة:
لا يمكن فهم الذاكرة الجمعية دون ربطها بالسلطة فاختيار ما يُرمّم وما يُهمل، ما يُخلّد وما يُنسى، هو فعل سياسي وثقافي في آنٍ معاً.
حيث أن العمارة تستخدم لإعادة إنتاج سردية معينة عن الماضي، وتقصي سرديات أخرى، ما يجعل المعمار أداة تشكيل للوعي الجماعي.
2- البُعد النفسي والاجتماعي في إعادة الإعمار – من البناء إلى التئام الذاكرة:
2-1 العمارة كأداة للشفاء النفسي الجماعي:
في أعقاب الحروب والكوارث، لا يكون التحدي فقط في إزالة الركام، بل في إزالة آثار الصدمة من النفوس. وتلعب العمارة هنا دوراً يُشبه دور العلاج النفسي، إذ تساعد في:
عندما يعود الإنسان إلى حيّه، إلى معالمه المألوفة (وإن كانت مُرممة)، يشعر بأن جزءاً من ماضيه لم يُمحَ، بل لا يزال موجوداً.
الخراب يجمّد الزمن لكن ترميم مكان يحمل ذاكرة يعيد تفعيل الزمن الداخلي للسكان وكأن العمارة تقول لهم: الحياة مستمرة.
بعد النزوح تكون العودة إلى أماكن الذاكرة (حتى بصورتها المتغيرة) بمثابة استرجاع للهوية الضائعة.
2-2 إعادة الإعمار بوصفها حدثاً اجتماعياً:
يُخطئ من يظن أن إعادة الإعمار هي فقط مهمة المعماريين والمخططين، إنها عملية اجتماعية، ثقافية، نفسية جماعية، تتطلب:
عندما يُشرك المجتمع المحلي في تصميم وإعادة بناء الأحياء، يشعر بأنه يستعيد السيطرة على مصيره، ما يعزز من الإحساس بالتمكين.
لا يمكن بناء وحدات سكنية حديثة منزوعة عن السياق الثقافي المحلي فالمساحات المفتوحة، الباحات، المداخل، العلاقات البصرية كلها عناصر يجب أن تراعي الثقافة اليومية.
كثير من الأحياء كانت ترتكز على علاقات الجيرة، الأسواق، المساجد، المدارس القريبة ،ان إعادة هذه المنظومة الاجتماعية المعمارية تُعيد اللحمة للمجتمع.
“العمارة ليست فقط ما نراه، بل ما نعيشه ونشعر به.”
2-3 الذاكرة المؤلمة والمكان: من الصدمة إلى المعنى
ليست كل ذاكرة تستحق الإحياء فوراً، فبعض الأمكنة تكون شاهدة على مجازر أو قصف أو خيانة، وهنا يظهر سؤال شائك:
يُقترح هنا التعامل مع الذاكرة المؤلمة كما في علاج الجروح لا نغلقها فجأة، بل نسمح لها بالشفاء التدريجي، وترك أثر يذكّر، لا يعيد الجرح.
2-4 أمثلة تحليلية:
تركت أجزاء من سور برلين ودمجتها ضمن عمارة حديثة لتكون شاهداً على الانقسام، وتحويله إلى أداة تذكير.
الشكل 1: جدار برلين
بعض المباني المتضررة حُوّلت إلى متاحف للذاكرة، مع الحفاظ على آثار الرصاص والدمار كشهادات بصرية.
الشكل2: متحف نفق سراييفو
لبنان (بيروت وسط المدينة):
شهدت جدلاً كبيراً بين الإبقاء على الدمار أو إعادة الإعمار الكامل حيث أن المشروع النهائي غيّب كثيراً من ملامح الذاكرة.
3-مقاربات إعادة الإعمار بعد الصراعات بين الاستعادة، النسيان، وإعادة التخيّل:
إعادة إعمار المدن المدمّرة ليست مجرد عملية هندسية لإعادة المباني إلى ما كانت عليه، بل هي فعل ثقافي وسياسي ونفسي يتعلّق بكيفية فهم المجتمع لماضيه وتخيّله لمستقبله. حيث تظهر هنا تظهر ثلاث مقاربات رئيسية:
3-1 الاستعادة التامة (Reconstruction as it was)
إعادة ما تهدّم كما كان عليه.
في هذا النموذج، يُعاد بناء المدينة أو أجزائها كما كانت قبل الدمار، حرفياً أو رمزياً، اعتماداً على الوثائق، الصور، أو الذاكرة الجمعية.
المزايا:
التحديات:
مثال:
الشكل3: لوحة للفنان كانالتو
3-2 إعادة التخيّل (Reimagination)
إعادة تشكيل المدينة بشكل جديد يُعيد المعنى دون تكرار الشكل.
حيث تركز هذه المقاربة على إعادة إحياء روح المكان، دون التقيّد بالمظهر السابق، وهي تُعبّر عن بداية جديدة للمجتمع.
المزايا:
التحديات:
مثال:
الشكل4: برج التجارة العالمي (قبل)
الشكل5: برج التجارة العالمي (بعد)
3-3 الإبقاء على آثار الخراب (Preserving the Ruins)
ترك آثار الدمار كشهادات مرئية.
هنا يُترك جزء من الموقع المدمّر كما هو أو يُدمج في المشروع الجديد ليكون شاهداً على ما جرى، كفعل مقاومة ضد النسيان.
المزايا:
التحديات:
مثال: كنيسة القيصر في برلين (Kaiser Wilhelm Memorial Church): تُركت كما هي بعد قصفها، كجزء من نصب السلام.
الشكل6: كنيسة القيصر في برلين
3-4 مقاربة هجينة: الدمج التشاركي
بعض المدن تبنّت مقاربة هجينة تمزج بين الحفاظ على بعض المعالم، إعادة بناء أخرى، وتخيّل مناطق جديدة، بمشاركة المجتمع المحلي.
مثال: مدينة نانت الفرنسية،حيث بُنيت مناطقها الصناعية المدمرة كمراكز ثقافية حديثة، دون محو رمزية الماضي، بمشاركة السكان.
الشكل7: مركز ثقافي وطني في مدينة نانت ناتج عن تحول مركز صناعي
لا توجد مقاربة مثالية، فكل مدينة لها خصوصيتها، لكن العامل الحاسم في نجاح أي نهج هو: مدى احترامه لذاكرة الناس، وإشراكهم في صنع مستقبلهم.
4-العمارة كأداة مقاومة رمزية وثقافية:
في المجتمعات الخارجة من الحروب أو القمع السياسي، لا تكون المقاومة دائماً بالسلاح، بل كثيراً ما تتخذ شكلاً رمزياً وثقافياً. هنا تبرز العمارة كأحد أقوى أدوات التعبير عن الرفض والصمود والبقاء.
4-1 المقاومة المعمارية: المقاومة المعمارية لا تعني فقط بناء ما تهدّم، بل التصميم الواعي الذي يُعبّر عن رفض المحو، والتمسك بالهوية، واستعادة السيادة الرمزية على المكان.
وهي تشمل:
4-2 الفضاء العام كمساحة نضال:
4-3 الترميم كفعل سياسي:
4-4 أمثلة رمزية:
4-5 العمارة كخطاب مضاد:
في وجه الخطابات التي تروّج للنسيان أو لإعادة الإعمار النظيف المفرغ من الذاكرة، تقف العمارة التشاركية والمحلية كخطاب بديل:
في ضوء هذا الفهم، سننتقل الآن إلى دراسة حالة تطبيقية لمدينة حلب، لنرى كيف يمكن تحويل هذه المفاهيم النظرية إلى مقاربة تصميمية حقيقية على أرض الواقع.
5-حلب بعد الدمار (العمارة كوسيلة لإحياء الذاكرة والانتماء)
5-1 حلب:
ذاكرة مدينة عمرها آلاف السنين تعد حلب من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، بحكم موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير. غناها الثقافي تجلّى في تنوعها الديني، والعرقي، والمعماري: من القلعة، إلى الجامع الأموي، إلى الأسواق القديمة والحمامات والبيوت ذات الأفنية الداخلية.
قبل الحرب، لم تكن حلب مدينة فقط، بل نسيج ذاكرة حيّة، حيث كانت الحياة اليومية تجري في قلب التراث.
5-2 الدمار وآثاره النفسية والاجتماعية:
منذ عام 2012، تحوّلت حلب، خاصة مدينتها القديمة، إلى مسرح للدمار:
“أن تفقد بيتك هو أن تفقد جزءاً من نفسك… أن تفقد مدينتك هو أن تفقد إحساسك بالزمن والمكان.”
5-3 التحديات بعد الحرب:
كانت هذه الأسئلة مركزية في المقاربات التي نوقشت محلياً ودولياً.
5-4 مقاربة مقترحة: (إعادة الإعمار كفعل شفاء)
المبدأ الأول: إحياء النسيج بدلاً من استنساخه
المبدأ الثاني: إشراك الأهالي في القرار
المبدأ الثالث: معالجة الذاكرة المؤلمة من خلال المعمار
المبدأ الرابع: الحفاظ على الطابع الحَلَبي
إعادة إعمار حلب ليست مجرد مشروع إنشائي، بل عملية شفاء جماعي تتطلب وعياً عميقاً بتاريخ المدينة، وجرأة في مواجهة الذاكرة، ورؤية مستقبلية تُعيد بناء الانتماء دون تزوير الماضي.
إذا أعدنا بناء الحجر دون أن نعيد بناء المعنى، فقد نكون بنينا مدينة، ولكننا لم نُعد بناء حلب.
6- توصيات تصميمية ومعمارية لإعادة تشكيل الانتماء والذاكرة:
في ضوء ما تم استعراضه من نظريات ومقاربات، ومن خلال دراسة الحالة لمدينة حلب، يمكن بلورة مجموعة من التوصيات التي تساعد المعماريين والمخططين والمجتمعات المحلية على استعادة المعنى والذاكرة في مشاريع إعادة الإعمار:
مثال: نقش أسماء الحارات القديمة على حجارة السوق المُرمم.
خاتمة تحليلية:( نحو عمارة تشفي لا تُجمّل فقط)
إعادة الإعمار ليست نهاية الحرب، بل بداية سؤال جديد: كيف نُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان بعد أن فُقدت الثقة، والذاكرة، والانتماء؟
ما أظهرته التجارب التاريخية، والنماذج الحية، مثل حلب ووارسو وبرلين وبيروت، هو أن نجاح العمارة في هذه السياقات لا يقاس بسرعة الإنجاز أو فخامة البناء، بل: بقدرتها على تضميد الجراح دون محوها بقدرتها على جعل الناس يشعرون أن المكان ما زال لهم، بقدرتها على استعادة الإحساس بالزمن والانتماء.
إن عمارة ما بعد الدمار ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية. إنها مسؤولية ثقيلة تقع على عاتق المعماريين والمخططين والمجتمعات المحلية فهل سنُعيد بناء المدن كأن شيئاً لم يكن؟ أم سنُعيد بناءها كي لا ننسى ما كان؟
المراجع
Vale, L. J., & Campanella, T. J. (2005). The Resilient City: How Modern Cities Recover from Disaster. Oxford University Press