الـواحــة الطلابيــة للجـامعــة الوطنيــة الخـاصــة

Student Oasis of Al-Wataniya Private University

تأثير طريقة الري على الاحتياج المائي لبعض المحاصيل

مقالة طلابية مرجعية - كلية الهندسة المدنية

إعداد الطالب : محمد رشاد شنو

كلية الهندسة المدنية الجامعة الوطنية الخاصة

إعداد الطالب : سعد الدين يوسف

كلية الهندسة المدنية الجامعة الوطنية الخاصة

إشراف: د. بشرى خزام

كلية الهندسة المدنية الجامعة الوطنية الخاصة

الملخص

تعد إدارة الموارد المائية حجر الزاوية في استدامة الإنتاج الزراعي، حيث يهدف هذا البحث إلى تقييم أثر نظم الري المتنوعة على الاحتياج المائي للمحاصيل. وتؤكد النتائج أن الانتقال من طرق الري التقليدية إلى الأنظمة الحديثة، كالري بالتنقيط والرش، يساهم بشكل جوهري في خفض الاستهلاك المائي الإجمالي عبر تقليل الفواقد الناتجة عن التبخر والرشح العميق، مع توجيه المياه بدقة نحو منطقة الجذور، وتشير الدراسة إلى أن كفاءة استخدام المياه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجدولة الدقيقة المبنية على المعطيات المناخية المحلية، وليست مجرد تغيير في التقنية. كما تبرز أهمية تبني ممارسات تكميلية، مثل تغطية التربة وتطوير شبكات النقل، لتعظيم التوفير المائي. وتخلص الدراسة إلى أن تحقيق الأمن المائي يتطلب دعم التحول التقني للفلاحين، بالتوازي مع تكثيف البحوث الميدانية المحلية لتحديد الاحتياجات المائية الفعلية بدقة، مما يضمن استدامة الموارد وزيادة إنتاجية وحدة المياه في ظل التحديات المناخية الراهنة.

  1. مقدّمة

تُعدّ الإدارة الفعالة للمياه من أهم التحدّيات في الزراعة، خصوصًا في المناطق شبه الجافة مثل سوريا. إنّ طريقة الريّ المتّبعة تؤثّر مباشرةً على كمّية المياه المُستخدمة من جهة، وعلى كفاءة استخدام المياه وإنتاجية المحصول من جهةٍ أخرى. يتناول هذا البحث تأثير طرق الري المختلفة على الاحتياج المائي لبعض المحاصيل، اعتمادًا على نتائج دراسات وتجارب محلية ودولية، إضافةً إلى عرض ما توفر من بحوث سورية أو قريبة من الظروف المحلية.

يُشكّل الري أحد الركائز الأساسية في المشاريع الزراعية والهيدروليكية، ولا سيما في المناطق التي تتسم بندرة الموارد المائية أو عدم انتظام الهطولات المطرية. ويُعرَّف الري بأنه عملية إمداد التربة بالمياه بالكميات والتوقيت المناسبين لضمان تلبية المتطلبات المائية للمحصول خلال مختلف مراحل نموّه. ومن منظور هندسي، لا يُنظر إلى الري بوصفه عملية نقل مياه فحسب، بل كنظام متكامل يرتبط بالهيدرولوجيا، وميكانيك التربة، والمناخ، وإدارة الموارد المائية. ويسهم التطبيق الصحيح للري في تحسين كفاءة استخدام المياه، والحد من الإجهاد المائي للنبات، وتحقيق استقرار في الإنتاج الزراعي، خاصة في البيئات شبه الجافة. ومع تزايد الضغوط على الموارد المائية، برزت الحاجة إلى تطوير طرق ري أكثر كفاءة تعتمد على أسس علمية دقيقة، بما يضمن استدامة المياه وتحقيق أفضل مردود اقتصادي وإنتاجي. (1,2)

  1. مفاهيم أساسية
  • الاحتياج المائي لمحصول ما يُعبّر عن الكمية الإجمالية من الماء التي يحتاجها المحصول خلال دورة نموّه، والتي تُستخدم في التبخّر من سطح التربة + النتح من النبات.
  • طريقة الري (سطحي، رشّ، تنقيط، تحت سطح، إلخ) تؤثّر على مقدار الفاقد من المياه (بخار/ تبخّر/ جريان سطحي) وعلى فعالية وصول الماء إلى منطقة الجذور، وبالتالي على كفاءة استخدام المياه

 (Water Use Efficiency =  محصول ÷ كمية المياه المعيّنة).

  • في الظروف المائية المحدودة، يُعدّ اختيار الطريقة المناسبة، جدولة الري، وتقليل الفاقد من المقومات الرئيسة لتحقيق الزراعة المستدامة

  1. العوامل المؤثرة على الاحتياج المائي للمحصول

يتحدد الاحتياج المائي للمحصول نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المناخية والبيولوجية والهندسية. إذ تؤثر العناصر المناخية، مثل درجة الحرارة، الرطوبة النسبية، سرعة الرياح، وشدة الإشعاع الشمسي، بشكل مباشر على معدلات التبخر والنتح، وبالتالي على كمية المياه التي يفقدها النظام الزراعي. كما تلعب خصائص المحصول دورًا محوريًا، حيث يختلف الاحتياج المائي تبعًا لنوع النبات، ومرحلة نموه، وعمق وانتشار مجموعته الجذرية، إضافة إلى كثافة الزراعة. من جهة أخرى، تؤثر خصائص التربة، كالقوام والبنية والسعة الحقلية والنفاذية، على قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه وتوفيرها للنبات. ويُضاف إلى ذلك تأثير طريقة الري وكفاءتها، إذ يؤدي انخفاض كفاءة النظام إلى زيادة الفاقد المائي، مما يرفع كمية المياه المضافة دون تحقيق فائدة فعلية للنبات. وعليه، فإن تقدير الاحتياج المائي بدقة يُعد خطوة أساسية في تصميم أنظمة الري وإدارتها بشكل علمي واقتصادي. (3,4,5)

  1. نظم الري المستخدمة وكفاءتها المائية

تُصنَّف نظم الري المستخدمة في الزراعة، من منظور هندسي، إلى نظم ري سطحية تعتمد على الجاذبية، ونظم ري مضغوطة تعتمد على الضغط المائي، ويُعد الري بالرش أحد أبرز هذه النظم. ويعتمد اختيار نظام الري المناسب على مجموعة من العوامل، من أهمها طبيعة التربة، نوع المحصول، الظروف المناخية، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والتشغيلية.

 4.1 الري بالانسياب

      يُعدّ الري بالانسياب من أقدم أساليب الري السطحي، حيث تُنقل المياه بالجريان الحر فوق سطح التربة ضمن خطوط أو مصاطب زراعية بفعل الجاذبية، كما هو موضح في الشكل .(4-1) وتمتاز هذه الطريقة ببساطة تطبيقها وانخفاض تكاليف إنشائها وتشغيلها، إلا أنها تعاني من عدد من السلبيات، أبرزها انخفاض كفاءة استخدام المياه نتيجة الفواقد الكبيرة بالتبخر والجريان السطحي والتسرب العميق.

كما يؤدي عدم انتظام توزيع المياه داخل الحقل إلى تفاوت في رطوبة التربة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على نمو النباتات وإنتاجيتها. (6)

الشكل (1-4): الري بالانسياب

4.2 الري بالغمر

       يُعتبر الري بالغمر أحد أشكال الري السطحي، حيث يتم تغطية سطح التربة بالكامل بطبقة من المياه لفترة زمنية محددة، كما يظهر في الشكل.(4-2)  يُستخدم هذا الأسلوب في بعض المحاصيل التي تتحمل زيادة الرطوبة، ويتميّز بسهولة تطبيقه وقلة متطلباته التقنية. إلا أن هذه الطريقة تُعد من أقل طرق الري كفاءة من حيث استخدام المياه، إذ تؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه بالتبخر والتسرب العميق، إضافة إلى تأثيرها السلبي على تهوية التربة وارتفاع ملوحتها، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة. (6)

الشكل (2-4): الري بالغمر

4.3 الري بالرشح

        يعتمد الري بالرشح على إيصال المياه إلى منطقة الجذور بشكل تدريجي وبكميات محدودة نسبيًا، حيث تنتقل المياه داخل التربة بفعل الخاصية الشعرية والجاذبية، كما هو موضح في الشكل .(4-3) ويُعد هذا الأسلوب من الطرق المحسّنة للري السطحي، إذ يساهم في تقليل الفواقد المائية الناتجة عن الجريان السطحي مقارنة بالري بالغمر والانسياب، كما يساعد على تحسين انتظام توزيع الرطوبة في التربة.

ومع ذلك، فإن كفاءة الري بالرشح تتأثر بخصائص التربة، ولا سيما قوامها ونفاذيتها، حيث يكون أكثر ملاءمة للترب متوسطة إلى خفيفة القوام. كما أن سوء إدارة الري أو زيادة فترات التشغيل قد يؤدي إلى تسرب المياه إلى أعماق أكبر من منطقة الجذور، مما يقلل من كفاءة استخدام المياه. (6)

الشكل (3-4): الري بالرشح

4.4 الري بالرش

        يعتمد الري بالرش على توزيع المياه على سطح التربة على شكل رذاذ يشبه الهطول المطري، وذلك باستخدام رشاشات مثبتة على شبكات أنابيب، كما هو موضح في الشكل .(4-4)  ويتميز هذا الأسلوب بقدرته على تحقيق توزيع أكثر انتظامًا للمياه مقارنة بطرق الري السطحي، كما يمكن استخدامه في الأراضي غير المستوية ومع مختلف أنواع التربة والمحاصيل.

       إلا أن كفاءة الري بالرش تتأثر بعدة عوامل، من أبرزها سرعة الرياح ودرجات الحرارة المرتفعة، حيث تزداد الفواقد المائية الناتجة عن التبخر والانجراف. كما يتطلب هذا النظام تجهيزات فنية تشمل المضخات وشبكات الأنابيب، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل والصيانة مقارنة ببعض طرق الري السطحي. (6)

الشكل (4-4): الري بالرش

5.4 الري بالتنقيط

        يُعدّ الري بالتنقيط من أكثر نظم الري الحديثة كفاءة في استخدام المياه، حيث تُنقل المياه إلى منطقة الجذور مباشرة على شكل قطرات صغيرة وبمعدلات تدفق منخفضة عبر شبكة من الأنابيب المزودة بمنقطات موزعة قرب النباتات، كما هو موضح في الشكل (4-5).

 يؤدي هذا الأسلوب إلى تقليل الفواقد الناتجة عن التبخر والجريان السطحي والتسرب العميق، نظرًا لتركيز المياه ضمن نطاق الجذور فقط دون ترطيب كامل سطح التربة.

ويمتاز نظام الري بالتنقيط بإمكانية التحكم الدقيق بكميات المياه المضافة وتوقيتها، مما يسمح بجدولة الري بما يتوافق مع الاحتياجات الفعلية للمحصول في مختلف مراحل نموه، ويسهم في رفع كفاءة استخدام المياه وتحسين الإنتاجية، إضافة إلى تقليل نمو الأعشاب الضارة نتيجة بقاء معظم سطح التربة جافًا نسبيًا. كما يمكن استخدام النظام لإضافة الأسمدة الذائبة مع مياه الري فيما يعرف بالتسميد عبر الري، مما يزيد من كفاءة استخدام الأسمدة.

الشكل (4-5): الري بالتنقيط

5   المقارنة بين طرق الري

        تُظهر المقارنة بين نظم الري المختلفة أن طرق الري السطحي، رغم بساطتها وانخفاض تكلفتها، تترافق عادةً مع فاقد مائي مرتفع وعدم انتظام توزيع المياه داخل الحقل، مما يقلل من كفاءة استخدامها. (7)

في المقابل، تحقق نظم الري المضغوطة، ولا سيما الري بالرش والري بالتنقيط، توزيعًا أفضل للمياه وكفاءة أعلى في استخدامها، مع قدرة أكبر على ضبط كميات الري وفق احتياجات المحصول، ويُعد الري بالتنقيط الأكثر كفاءة في تقليل الفواقد المائية، لأنه يوجّه المياه مباشرة إلى منطقة الجذور، إلا أنه يحتاج إلى إدارة وصيانة جيدة وتكاليف تأسيس أعلى. وعليه فإن اختيار نظام الري الأمثل يعتمد على موازنة العوامل المائية والاقتصادية وطبيعة التربة والمحصول، بهدف تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة بأقل استهلاك للمياه.

  • نتائج علمية دولية ومحلية

6.1  نتائج دولية وإقليمية

  • أظهرت العديد من الدراسات الدولية والإقليمية الدور الفعّال لطرق الري الحديثة في خفض الاستهلاك المائي ورفع كفاءة استخدام المياه مقارنة بطرق الري التقليدية. فقد بينت دراسة أُجريت على محصول الصويا عند المقارنة بين الري بالرشّ والري بالتنقيط أن الاحتياج المائي السنوي في نظام الري بالرشّ تراوح بين 1272.9 و1275.9 مم، في حين تراوح في نظام الري بالتنقيط بين 1170.6 و1201 مم، مما يدل على أن الري بالتنقيط يحقق وفراً مائياً يُقدَّر بنحو 7–10% دون التأثير السلبي على الإنتاجية. (8)
  • أشارت نتائج الدراسات التي قام بها عدد من الباحثين حول احتياجات بساتين البحر الأبيض المتوسط من المياه باستخدام نموذج SIMDualKc، أن الاستهلاك المائي الموسمي لبساتين الحمضيات تراوح بين 867 و1573 مم، وذلك تبعاً لكثافة الغطاء النباتي والظروف المناخية السائدة ومستوى الطلب التبخري، إضافة إلى اختلاف طريقة الري المستخدمة، حيث سجلت طرق الري الحديث قيماً أقل نسبياً مقارنة بالري التقليدي. (9)
  • من جهة أخرى، تشير تقارير وبرامج إدارة المياه الزراعية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن المساحة الممكن ريّها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطريقة الري المعتمدة. فقد أوضحت الجداول التطبيقية الحديثة للمنظمة أنه عند تخصيص كمية مائية محددة (مثل 2700 أو 4000 م³/هكتار)، يمكن ري مساحات أكبر باستخدام تقنيات الري الحديث كالتنقيط والرشّ مقارنة بالري السطحي، الأمر الذي يعكس كفاءة أعلى في استثمار الموارد المائية. (10، 11)

6.2 نتائج محلية (سورية)

  • على المستوى المحلي، أظهرت التجارب الحقلية المنفذة في سوريا نتائج متوافقة مع الاتجاهات العالمية في ترشيد استهلاك المياه. ففي تجربة أُجريت على محصول الشوندر العلفي (العروة الربيعية) في منطقة وسط غرب سوريا، تمت مقارنة الري بالرشّ (الرذاذ) مع الري بالتنقيط، حيث أظهرت النتائج تفوق الري بالتنقيط من حيث كفاءة استخدام المياه(WUE) . (12)
  • كما بينت تجربة أخرى على محصول الشوندر في ظروف زراعية مختلفة أن الري بالتنقيط حقق تفوقاً عددياً في بعض المؤشرات الإنتاجية مقارنة بالري السطحي (الفردي) والري بالرشّ، مع تسجيل استهلاك مائي أقل. (12)
  • في مجال الزراعة المحمية، أظهرت تجربة أُجريت في محطة بحوث الصنوبر بمحافظة اللاذقية على محصول البندورة أن كمية المياه المستخدمة في الري السطحي بلغت نحو 5531.4 م³/هكتار، في حين انخفضت إلى حوالي 3872 م³/هكتار عند استخدام الري بالتنقيط، أي بنسبة توفير تقارب 30%. (13)
  • كما أوضحت تجربة لاحقة في المحطة نفسها أن اعتماد الري بالتنقيط المغطّى (باستخدام أغطية سطح التربة) أسهم في خفض الاستهلاك المائي إلى نحو 3407 م³/هكتار مقارنة بـ 3872 م³/هكتار في حالة التنقيط المكشوف، محققاً وفراً إضافياً يقدر بحوالي 12%. (13)
  • تحليل ومناقشة
  • تُظهر المعطيات المستخلصة من الدراسات الدولية والإقليمية والمحلية توافقًا واضحًا حول التأثير الجوهري لطريقة الري في تحديد كلٍّ من الاستهلاك المائي وكفاءة استخدام المياه، بما يتجاوز التأثير المباشر للعوامل المناخية وحدها. ويشير هذا التوافق إلى أن إدارة المياه لم تعد مسألة تكيّف مع الظروف الطبيعية فحسب، وإنّما أصبحت عنصرًا حاسمًا يمكن من خلاله تحسين كفاءة النظام الزراعي بشكل ملموس، ففي الدراسة المتعلقة بمحصول الصويا (8)، يتبين أن اعتماد الري بالتنقيط أدى إلى خفض الاحتياج المائي السنوي بنسبة تراوحت بين 7–10% مقارنة بالري بالرش، وهو فرق يُعد ذا دلالة تطبيقية مهمة، لا سيما في البيئات محدودة الموارد المائية. ويُعزى هذا الانخفاض بشكل أساسي إلى تقليل الفواقد المرتبطة بالتبخر والانجراف، مما يعكس كفاءة أعلى في إيصال المياه إلى منطقة الجذور. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الري بالتنقيط نظامًا قادرًا على تحقيق توازن أفضل بين تلبية الاحتياجات المائية للنبات وتقليل الهدر.
  • عند تحليل نتائج الدراسات الإقليمية على بساتين الحمضيات باستخدام نموذج SIMDualKc (9)، يُلاحظ وجود تباين واسع في الاستهلاك المائي الموسمي، وهو ما لا يمكن تفسيره بالعوامل المناخية وحدها، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطريقة الري ومستوى كفاءة الإدارة المائية. ويقود ذلك إلى استنتاج أساسي مفاده أن التحكم في طريقة الري وإدارته يمكن أن يعادل، أو حتى يتفوق، في تأثيره على العوامل البيئية الطبيعية في تحديد الاستهلاك الفعلي للمياه، كما تعزز تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) (1، 2، 11) هذا التوجه، إذ توضح أن اعتماد تقنيات الري الحديث يتيح استثمار نفس الكمية من المياه لري مساحات أكبر مقارنة بالري التقليدي. ويعكس هذا الأمر تحولًا مفاهيميًا في إدارة الموارد المائية، حيث لم يعد التركيز منصبًا على زيادة الموارد بقدر ما أصبح موجّهًا نحو تعظيم كفاءة استخدامها، وهو ما يمثل أحد المبادئ الأساسية للزراعة المستدامة.
  • على الصعيد المحلي، فتؤكد النتائج التجريبية في سوريا هذا الاتجاه بشكل عملي. فقد أظهرت تجارب الشوندر العلفي (12) أن الري بالتنقيط يحقق كفاءة أعلى في استخدام المياه (WUE) ، وهو ما يعني إنتاجية أكبر لكل وحدة ماء مستخدمة، وليس مجرد تقليل في الكميات المضافة. وتُعد هذه النتيجة مؤشرًا مهمًا على أن التحسين في أنظمة الري ينعكس مباشرة على الأداء الإنتاجي، وليس فقط على الجانب المائي.
  • في سياق الزراعة المحمية، تقدم تجربة محصول البندورة في محطة بحوث الصنوبر (13) دليلًا أكثر وضوحًا على فعالية الري بالتنقيط، حيث أدى إلى خفض الاستهلاك المائي بنسبة تقارب 30% مقارنة بالري السطحي. كما أن استخدام التغطية السطحية بالتزامن مع نظام التنقيط أسهم في تحقيق وفر إضافي يُقدّر بحوالي 12%، وهو ما يشير إلى أهمية التكامل بين التقنيات الزراعية المختلفة في تحسين كفاءة استخدام المياه.

بناءً على ما سبق، يمكن الاستنتاج بأن الري بالتنقيط لم يعد يُنظر إليه كخيار تقني بديل فحسب، وإنّما كأحد أكثر النظم كفاءة وملاءمة في البيئات التي تعاني من محدودية الموارد المائية. إذ يجمع هذا النظام بين تقليل الفواقد المائية، وتحسين كفاءة التوزيع، وإمكانية التحكم الدقيق بكميات الري، مما ينعكس إيجابًا على كلٍّ من الاستهلاك والإنتاجية، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن تحقيق هذه الفوائد يبقى مرهونًا بحسن إدارة النظام، حيث تلعب عوامل مثل جدولة الري، والصيانة الدورية، وملاءمة النظام لخصائص التربة والمحصول دورًا حاسمًا في تحديد كفاءته الفعلية. وعليه فإن الاعتماد على التقنيات الحديثة دون إدارة علمية دقيقة قد يحدّ من الفوائد المتوقعة منها.

  • التوصيات

بناءً على ما سبق، يمكن اقتراح التوصيات التالية للمزارعين والجهات المعنية في سياق سورية أو مناطق مماثلة: 

  • اعتماد أنظمة الري بالتنقيط أو ما شابهها (تنقيط، تحت سطح، رش ذكي) للمحاصيل المناسبة، مع ضبط الجدولة حسب حاجة المحصول والطقس.
  • استخدام تغطية التربة (mulch) أو غيرها من الوسائل التي تقلّل التبخّر من سطح التربة، ما يعزز التوفيرات. 
  • تنفيذ برامج تدريب للمزارعين على جدولة الري، صيانة المعدات، مراقبة النظام، وقياس كفاءة المياه.
  • إعادة تأهيل شبكات الري التقليدية (قنوات، مضخات، أنابيب) لتقليل الفاقد وتحسين التوزيع.
  • تحفيز البحث العلمي المحلي لإجراء تجارب محلية (تربة – مناخ – محصول) على طرق الري المختلفة وقياس الاحتياج الفعلي، لأن النتائج العالمية لا تغني عن المعطيات المحلية الدقيقة.
  • تبنّي سياسات داعمة تمكّن الفلاحين من الانتقال إلى أنظمة أكثر كفاءة، مثل دعم الأجهزة أو أنظمة التنقيط، وتوفير تمويل أو حوافز، لأن التحول قد يتطلّب استثمارات أولية.
  • الخلاصة

طريقة الري هي أحد العوامل الحاسمة في تحديد الاحتياج المائي للمحصول، وكفاءة استخدام المياه. التجارب السورية والدولية تؤكد أن أنظمة الري المحسّنة (مثل التنقيط) يمكن أن تقلّل من استهلاك المياه وتزيد من فعالية استخدامها، دون بالضرورة خسارة في الإنتاج، بل غالبًا بتحسينه. في سياق الموارد المحدودة في سوريا، فإن الانتقال إلى مثل هذه الأساليب يُشكّل خياراً مستداماً من الناحية البيئية والاقتصادية. الأمر يتطلّب تبنّي التقنية، وربطها بجدولة دقيقة، وتنفيذها بفاعلية في الحقول، مع مواكبة بحثي محلي لدعم القرار الزراعي.

  • المراجع
  1. (2023). Water efficiency and sustainable irrigation management. Food and Agriculture Organization of the United Nations.
  2. (2024). Modern irrigation systems and water productivity. Food and Agriculture Organization of the United Nations.
  3. Allen, R., Pereira, L., Raes, D., & Smith, M. (2023). Advances in crop evapotranspiration estimation.
  4. Jensen, M. (2024). Climate-driven crop water requirements.
  5. (2024). Factors affecting crop water use efficiency. Water Journal.
  6. Michael, A. M. (2023). Modern irrigation engineering practices.
  7. Guo H, Li S. A Review of Drip Irrigation’s Effect on Water, Carbon Fluxes, and Crop Growth in Farmland. Water. 2024;16(15):2206. doi:10.3390/w16152206.
  8. Howell, T. A., Evett, S. R., Tolk, J. A., & Schneider, A. D. (2023). Water productivity of irrigated soybean under different irrigation systems. Agricultural Water Management.
  9. Todorovic, M., Albrizio, R., Zaccaria, D., & Pereira, L. S. (2023). Assessment of citrus orchard water requirements using the SIMDualKc model. Agricultural Water Management.
  10. (2023). Crop evapotranspiration: Guidelines for computing crop water requirements (FAO Irrigation and Drainage Paper No. 56). Food and Agriculture Organization of the United Nations.
  11. (2024). Modernization of irrigation systems to increase water productivity. FAO Water Reports.
  12. محطة بحوث الصنوبر. (2024). تقارير فنية وبحثية. اللاذقية، سوريا.

تنفيذ إدارة المواقع الالكترونية في الجامعة الوطنية الخاصة 2026

Scroll to Top